عبد الملك الجويني

9

الشامل في أصول الدين

لا يتصور التفاضل في البيان عند تصور الخفاء في أحد المتفاضلين ، وقد أوضحنا أن الخفاء يناقض العلم ، إذ حقيقة العلم التبيين ، والخفاء والتبيين وصفان متضادان . وأما ما استروح إليه السائل فلا معتصم فيه ، إذ العلم الضروري يشابه العلم النظري في حكم التبيين . والذي يوضح الحق في ذلك اتفاق أرباب الألباب على أن العلم بالشيء الواقع نظرا يماثل العلم به بديهة وضرورة كما تماثل الحركة الضرورية الحركة الكسبية ، والحركتان متماثلتان . ومن حكم المتماثلين وجوب استوائهما في صفات النفس . فلو كان العلم الضروري مخالفا للكسبي في وجه من البيان لما كان مثلا له . ولو تعسف متعسف وأنكر التماثل بين العلمين كان ذلك خروجا منه عن قضية العقول . وأول ما يلزمه على ذلك أن نقول : إذا أقدرنا الرب على علم لم يوصف بالاقتدار على مثله بديهيا من غير أن يخلق لنا القدرة عليه ، وهذا يفضي إلى هدم قواعد العقائد . ثم نقول : إنما يفصل العاقل بين أحواله في العلوم الضرورية والنظرية لاطراد العادة واستمرارها بخلق العلوم الضرورية تعاقبا وتواليا ، إذ علم المرء بنفسه واستحالة اجتماع المتضادات والمحسوسات ونحوها من الضروريات ، يطرد عادة ولا يعتور على المحال أضدادها ، فيلقى المرء نفسه عند زوال الآفات والغفلات عالما بها . وأما العلوم النظرية فليست كذلك ، فإنها لا تطرد عادة ، وقد تزول وتعاقبها الشكوك والريب ، ثم يحاول العاقل ردها بتذكار النظر . فهذا وجه في الفصل . وأيضا فإن العلوم المكتسبة مقدورها للمكتسبين بخلاف البديهة ، فتؤول تفرقة العاقل بين العلمين إلى ثبوت استطاعته واقتداره في حال وانتفائها في أخرى ، وذلك نحو فرقه بين رعشته ورعدته وبين حركته المختارة له ، فلا يرجع الفرق إلى نفس الحركة ، ولكنه يؤول إلى ثبوت القدرة مقارنة لأحدهما ، وثبوت العجز مقارنا للأخرى . وأما الذي ألزموه من كون معرفة الواحد منا كمعرفة الأنبياء وهذا ما لا يعد فيه على الجملة ، وإن افترقا على التفصيل . وسبيل الافتراق من وجهين : أحدهما : أن تكون علوم الأنبياء ضرورية . وقد صار إلى ذلك بعض المحققين . ثم قد سبق القول في الفصل بين الضروري والنظري . والوجه الآخر أن الأنبياء عليهم السلام تتوالى لهم العلوم حتى تكاد تستوعب معظم الساعات مع عدم اعتوار الفترات ، فيفضلون من دونهم بدوام المعرفة لا بصفة في المعرفة . وذكر بعض المحققين فرقا : يجوز أن يستأثر الصديقون بطرق من الأدلة . ومن أحاط